We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

الشحرور من شرفة الإهداء

2 0 92
14.01.2019

تعدّ عتبة الإهداء من أهم العتبات التي لا بدّ من المرور بها قبل ولوجنا تضاعيف أي كتاب، وخاصة إذا كان الإهداء عامّاً موجهاً إلى المؤمنين بالنهج الفكري للكاتب، لأنه حينئذ يكون قادراً ـــ على رغم المساحة الصغيرة التي يشغلها ـــ على منحنا الضوء اللازم لتتبع المشروع الفكري للباحث، وهذا ما نودّ اختباره من خلال إهداء الباحث محمد شحرور لكتابه «الدين والسلطة».

وقبل الشروع بالإطلال على مشروع شحرور من شرفة الإهداء العام، نلاحظ أن الإهداء الخاص العائلي لكتبه لا يقلّ أهمية عن الإهداء العام في الكشف عن مشروعه الفكري؛ فالعلاقة بين إهداءاته العائلية ونصوصه نابعة من طبيعة مشروعه البحثي. فالأساس الذي يستند إليه في قراءة ما يسميه التنزيل الحكيم، أساس لغوي قائم على جملة من الأفكار، من أهمها أنه «لا ترادف في اللغة العربية»، لذا نجده يفرّق دائماً في تضاعيف كتبه بين المفردات الواردة في المصحف (القراءة والتلاوة، والشهادة والشهيد...). ما يعنينا في هذا الصدد، تفريقه بين الأب والوالد، لأن لذلك علاقة بإهداءاته الخاصة. يكتب في كتابه «الإسلام والإيمان»: «فإذا رعى الذكرُ الوالدُ الأمَّ في حملها، وأنفق عليها وساعدها، فهو أب، أما إذا لم يفعل فهو والدٌ فقط... فالأب من القصد والعناية والتربية»(1)، بينما في إهداءاته الخاصة يقول: «إلى والدي العزيز» على رغم أنه تلقى من والده الرعاية، فقد علّمه التفكير النقدي وأن يقول كلمة الحق، كما كتب في إهداءاته الخاصة، لذلك كان عليه إذا أراد الانسجام مع مشروعه البحثي أن يقول في الإهداء: «إلى والدي وأبي العزيز»، وأن لا يكتفي بالقول: «إلى والدي»، لأن هذا التعبير الأخير يعني أنه وليده فقط.
بالعودة إلى إهداء كتابه «الدين والسلطة»، نميز هنا أربعة إهداءات: أ- «إلى كل من يؤمن بأن الرسالة المحمدية تتميز بخصائص الخاتمية، العالمية، والرحمة». ب - «إلى كل من يؤمن بأن الحرية هي كلمة الله التي سبقت لكل أهل الأرض...». ج- «إلى كل من جاهد ويجاهد في سبيل إعلاء هذه الكلمة...». د- «إلى كل من يؤمن بأن سلطة الدولة تختلف عن سلطة الدين». لنفكك هذه الإهداءات إلى مقاصدها كما هي في كتب شحرور، وخاصة كتابه «الدين والسلطة»:
الإهداء (أ): يهدي شحرور كتابه إلى كل من يؤمن بأن الرسالة المحمدية هي الخاتم للإسلام الذي بدأ بنوح وانتهى بمحمد، وبأنها عالمية لكل الأقوام، وذلك لاستيعابها كل التشريعات الإنسانية مهما تعددت واختلفت، وبأنها رسالة الرحمة بما جاء فيها من يسر وتخفيف(2). هذا الإهداء هو مفتاحي لإعطاء الشرعية لقراءته الليبرالية التي ستتكشف مع تفكيك الإهداءات الأخرى.
الإهداء (ب): يعتمد في تأسيس فهمه للحرية على رؤية فلاسفة العقد الاجتماعي (روسو ـــ هوبز)، ليعمل بعد ذلك على تطويع النص الديني ليناسب هذه الرؤية. يبدأ العملية من خلال تفسيره لكلمة الفطرة في النص القرآني، ويخلص إلى أن معناها هو الجانب العقلاني في الإنسان أو القانون الطبيعي، أي مجموعة القواعد الفطرية المغروسة إلهياً في الإنسان (عدم الشرك بالله، وعدم أكل أموال الناس بالباطل...). أما الجانب المقابل، فهو الحق الطبيعي، أي الجانب الحيواني الغرائزي في الإنسان. وبناءً على ذلك تأتي الحرية من سيطرة القانون الطبيعي على الحق الطبيعي. والطاغوت، نقيض الحرية، يأتي من سيطرة الجانب الحيواني على الجانب العقلاني. يفسر شحرور الآية /256/ من سورة البقرة: «فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى»، ومنها يرى أن الحرية بالتعبير القرآني هي العروة الوثقى، فتصبح معادلة الحرية على الشكل الآتي: «الكفر بالطاغوت الإيمان بالله = العروة الوثقى»(3). لنلاحظ هنا عملية صبغ الإسلام بصبغة ليبرالية مشوهة، لأنه يستورد الطرح الليبرالي من فلاسفة الصعود البرجوازي (في أوروبا)، من دون الانتباه إلى الشروط الاجتماعية التي أنتجته، ويغلّف هذا الطرح بشرعية مستمدة من المطلق وتنزيله الحكيم، وذلك بخلاف التأكيد الفلسفي الليبرالي الذي يرى أن الشرعية مستمدة من الأرض لا من السماء.
الإهداء (ج): إن الطاغوت هو ما يجب أن يُجاهد ضده حتى تتحقق كلمة الله (الحرية)، لذا لا بدّ من معرفة تحديدات مفهوم الطاغوت. قسّم شحرور الطاغوت استناداً إلى مصطلحات قرآنية إلى ثلاثة أنواع: القارونية كتعبير عن الطغيان الاقتصادي، والهامانية كتعبير عن الطغيان المعرفي والفكري والعقائدي، والفرعونية كتعبير عن الطغيان السياسي. وفي مقابل هذا الطاغوت، الناس، أي «المستضعفون في الأرض». وعدّ البرجوازية الوطنية خارج إطار الطاغوت، أي أنها من جملة المستضعفين، يكتب: «فالقارونية لا علاقة لها بالغنى الوطني (البرجوازية الوطنية) التي تلعب دوراً إيجابياً في تطور المجتمع»(4). نلاحظ هنا أنه يؤمن بشكل واضح بوجود برجوازية في أطراف النظام الرأسمالي قادرة على أن تكون وطنية منتجة، وبالتالي أن تنتقل بالمجتمع إلى طور التصنيع، فلا يرى أنها غير قادرة على تأدية هذه المهمة لأنها خاضعة للمركز الرأسمالي الذي يمنعها من الدخول في طور الإنتاج الصناعي الحقيقي، إذ لا يسمح لها بأكثر من العمل في قطاعَي التجارة والخدمات. من هنا أيضاً، ندرك الموقع الطبقي الذي تنطلق منه رؤيته، ونفسر كذلك هجومه الدائم على التجربة الناصرية وعلى من يدافع عنها، وهو أمر ناتجٌ في نظرنا من النقمة البرجوازية على الممارسة الناصرية القائمة على التأميم، سواءً في مصر أو في سورية. يكتب مثلاً........

© الأخبار