We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close
Aa Aa Aa
- A +

حراك «السترات الصفر» يعرّي بؤس النخب!

2 0 12
18.01.2019

باريس | ما الذي خوّل انتفاضة مايو 1968 الباريسية أن تؤسس، خلال أربعة أسابيع فقط من الحراك الاحتجاجي الطلابي، لقطيعة ثورية عمّت كل الصعد السياسية والاجتماعية والثقافية، وامتدت تأثيراتها لعقود، متجاوزة حدود فرنسا لتصل إلى مختلف أصقاع الأرض؟ في المقابل، لماذا لا تزال انتفاضة «السترات الصفر» تراوح مكانها، بعد أكثر من شهرين من التظاهرات والاعتصامات التي عمّت مختلف المدن والمناطق الفرنسية، وتخللتها تسع جولات أسبوعية من الحراك الاحتجاجي العارم؟

نجحت «مايو 1968» في خلخلة أركان الحكم الديغولي، بالرغم من أنه كان يحظى بتأييد ثلثي الفرنسيين. ولا تزال «السترات الصفر» تعاني المد والجزر، وتواجه حملات شرسة من الشيطنة والنقد، بالرغم من أنها تحظى بمساندة ثلاثة أرباع الفرنسيين. مفارقة قد تبدو فاقعة ومحيّرة. لكن نجاح الانتفاضات الثورية ليس مرتبطاً فقط بحجم التأييد الشعبي لها، أو براديكالية مناضليها واستماتتهم. المحكّ الحاسم لإنجاح أي حراك ثوري يكمن في مدى قدرته على استقطاب النخب التي تضطلع بمهمة «صناعة المعنى» الكفيلة بتحويل الانتفاضة الثورية من مجرد حراك احتجاجي ذي طابع مطلبي إلى لحظة مفرقية، من شأنها أن تؤسس لوعي بديل لا يكتفي بشجب المظالم والفوارق، بل يتجاوز ذلك إلى خلخلة شاملة لأسس الوضع القائم ويقينياته، بما يفضي إلى تغيير أو تثوير سمات وقيم «روح العصر».
هل يمكن تصوّر «مايو 1968» من دون «سلطة المثقفين» الذين لم يكن مطلوباً منهم قيادة الحراك الاحتجاجي أو تأطيره، بل كانوا شهوداً عليه ومرافعين باسمه؟ فمن الثنائي سارتر ــــ دي بوفوار إلى سينمائيي «الموجة الجديدة» وغيرهم من أقطاب قلعة الفكر التقدمي في «الحي اللاتيني»، شكّلت النخب الثقافية سنداً للطلاب والعمال المنتفضين وقدوة لهم.
أما انتفاضة «السترات الصفر»، فبالرغم من شعبيتها الكاسحة، إلا أنّها افتقدت أي سند من قبل النخب طوال الأسابيع التسعة المنقضية من عمر حراكها. لم تكتف نخب فرنسا وفلاسفتها «الجدد» بالتنصل من الإرث العريق لـ«سلطة المثقفين» التي ظلت راسخة وفاعلة في المجتمع منذ ثورة 1789، بل تحول أغلب ممثلي «النخب» إلى شهود زور منخرطين........

© الأخبار